ابن خلدون
391
تاريخ ابن خلدون
بالشريد الدائنين بالانتقاض سائر أيامهم وزحف إلى قفصة فملكها فذعروا ولحق أحمد ابن مكي بالسلطان أبى الحسن متذمما بشفاعته بعد أن كان الركب الحجازي من المغرب مر بقابس وبه بعض كرائم السلطان فأوسعوا حباءهم وسائر الركب قرى وحباء وقدموا ذلك وسيلة بين يدي وفادته فقبل السلطان وسيلتهم وكتب إلى مولانا السلطان أبى بكر شافعا فيهم لذمة السلطان والصهر فتقبل شفاعته وتجاوز عن الانتقام منهم بما اكتسبوه ثم هلك مولانا السلطان أبو بكر وماج بحر الفتنة وعادت الدولة إلى حالها من الانقسام وانسدت على صاحب الحضرة وجوه الانتصاف منهم فعاد بنو مكي وسواهم من رؤساء الجريد إلى حالهم من الاستبداد على الدولة وقطع أسباب الطاعة ومنع المغارم والجباية ومشايعة صاحب الغربية ركونا على صاحب الحضرة فلما استبد مولانا السلطان أبو العباس بالدعوة الحفصية وجمع الكلمة واستولى على كثير من الثغور المنتقضة تراسل أهل هذه العصور الجريدية وتحدثوا بما دهمهم وطلبوا وجه الخلاص منه والامتناع عليه وكان عبد الملك بن مكي أقعدهم بذلك لطول مراسلة الفتن وانحياشه إلى الثوار وكان أحمد أخوه ورديفه قد هلك سنة خمس وستين وانفرد هو برياسة قابس فراسلوه وراسلهم في الشأن وأجمعوا جميعا على تجييش العرب على السلطان وتسريب الأموال ومشايعة صاحب تلمسان بالترغيب في ملك إفريقية فانتدبوا لذلك من كل ناحية وبعثوا البريد إلى صاحب تلمسان فأطمعهم من نفسه وعللهم بالمواعيد الكاذبة والسلطان أبو العباس مقبل على شأنه يفتل لهم في الذروة والغارب حتى غلب أولاد أبى الليل الذين كانوا يغزونهم بالمدافعة عنهم وافتتح قفصة وتوزر ونفطة وتبين لهم عجز صاحب تلمسان عن صريخهم فحينئذ بادر عبد الملك إلى مراسلة السلطان يعده من نفسه الطاعة والوفاء بالجباية ويستدعى لاقتضاء ذلك منه بعض حاشيته فأجابه إلى ذلك وبعث أمره إليه ورجع إلى الحضرة في انتظاره فطاوله ابن مكي في العرض ورده بالوعد ثم اضطرب أمره وانتقض عليه أهل ضاحيته بنو أحمد احدى بطون ذياب وركبوا إليه فحاصروه وضيقوا عليه واستدعوا المدد لذلك من الأمير أبى بكر صاحب قفصة فأمدهم بعسكر وقائد فنازلوه واشتد الحصار واتهم ابن مكي بعض أهل البلد بمداخلتهم فكبسهم في منازلهم وقتلهم وتنكرت له الرعية وساءت حاله ودس إلى بعض المفسدين من العرب من بنى على في تبييت العسكر المحاصرين له واشترط لهم على ذلك ما رضوه من المال فجمعوا لهم وبيتوهم فانفضوا ونالوا منهم وبلغ السلطان خبرهم فاحفظه وأجمع الحركة على قابس وعسكر بظاهر الحضرة في رجب سنة احدى وثمانين وتلوم أياما حتى استوفى العطاء واعترض العساكر وتوافت أحياء أوليائه من أولاد مهلهل وحلفائهم من سائر